العيني
54
عمدة القاري
مجاهد معنعنا ، وعن ابن أبي نجيح بلفظ : قال ، والبخاري لا يذكر المعنعن إلاّ إذا ثبت السماع ، ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع ، كما اكتفى به مسلم ، فالمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلى درجة من : قال ، لأن : قال : إنما تذكر عند المجاورة ، لا على سبيل النقل والتحميل ، ثم في لفظة : لي ، إشارة إلى أنه جاور معه وحدة . وقال البخاري : كلما قلت : قال لي فلان ، فهو عرض ومناولة ، فما روي عن سفيان يحتمل أن يكون عرضاً لسفيان أيضاً . وبقية ما فيه من الكلام من تعدد موضعه . ومن أخرجه ، ولغاته ، وإعرابه ومعانيه ، قد مرت في أوائل كتاب العلم . قوله : ( صحبت ابن عمر رضي الله عنهما إلى المدينة ) اللام فيها للعهد ، أي : مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر مبتدأ الصحبة . قال الكرماني : والظاهر أنه من مكة ، وفيه الدلالة على أن ابن عمر كان متوقياً للحديث ، وقد كان علم قول أبيه : أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن بطال . وقال الشيخ قطب الدين : قد يكون تركه لغير هذا الوجه ، إما لعدم نشاط الاشتغال بمؤونة السفر وتعبه ، أو لعدم السؤال . قلت : يمكن التوفيق بينهم بأنه كان يتوقى الحديث ما لم يسأل ، فإذا سئل أجاب ، وأكثر الجواب عند كثرة السؤال فإنه كان من المكثرين في الحديث . قوله : ( يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) حال عن الضمير المنصوب في لم اسمعه . قوله : ( إلا حديثاً ) أراد به الحديث الذي بعده متصلاً به . قوله : ( فأتي ) بضم الهمزة . قوله : ( بجمار ) ، بضم الجيم وتشديد الميم : وهو شحم النخيل ، وهو الذي يؤكل منه . وفي ( العباب ) : ويقال له الجامور أيضاً . قوله : ( مثلها ) ، بفتح الميم : أي صفتهاالعجيبة ، والمثل ، وإن كان بحسب اللغة الصفة ، لكن لا تستعمل إلاَّ عند الصفة العجيبة . قوله : ( فأردت أن أقول ) أي : في جواب الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، حيث قال : حدثوني ما هي ! كما علم من سائر الروايات . قوله : ( فسكت ) ، بضم التاء على صيغة المتكلم ، وسكوته كان استحياء وتعظيماً للأكابر . 15 ( ( باب الاغْتِباطِ في العِلْمِ والحِكْمَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان الاغتباط ، وهو افتعال من : غبطه يغبطه ، من باب : ضرب يضرب ، غبطاً وغبطةً ، والغبطة أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه ، وليس بحسد . والحسد أن : يتمنى زوال ما فيه . وقال ابن بزرج : غبط يغبط ، مثال : سمع يسمع ، لغة فيه . وبناء باب الافتعال منها يدل على التصرف والسعي فيها ، والحكمة معرفة الأشياء على ما هي عليه ، فهي مرادفة للعلم ، فالعطف عليه من باب العطف التفسيري ، إلاّ أن يفسر العلم بالمعنى الأعم من اليقين المتناول للظن أيضاً ، أو تفسر الحكمة بما يتناول سداد العمل أيضاً . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول : الفهم في العلم ، وفي هذا الباب : الاغتباط في العلم ، وكلما زاد فهم الرجل في العلم زادت غبطته فيه ، لأن من زاد فهمه وقوي يزداد نظره فيمن هو أقوى فهماً منه ، ويتمنى أن يكون مثله ، وهو الغبطة . وقال عُمَرُ : تَفقَّهُوا قَبْلَ أن تُسَوَّدُوا الكلام فيه على أنواع . الأول : قال الكرماني : هو ليس من تمام الترجمة إذ لم يذكر بعده شيء يكون هذا متعلقاً به ، إلاَّ أن يقال : الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلاَّ قبل كون الغابط قاضياً ، ويزول حينئذٍ . وقال عمر : بمعنى المصدر ، أي : قول عمر ، رضي الله عنه . قلت : كيف يؤول الماضي بالمصدر وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلاَّ بوجود أن المصدرية ؟ وقال ابن المنير : مطابقة قول عمر ، رضي الله عنه ، للترجمة أنه جعل السيادة من ثمرات العلم ، وأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة ، وذلك يحقق استحقاق العلم بأن يغبط صاحبه ، فإنه سبب لسيادته . قلت : لا شك أن الذي يتفقه قبل السيادة يغبط في فقهه وعلمه ، فيدخل في قوله : باب الاغتباط في العلم . الثاني : أن هذا الأثر الذي علقه أخرجه أبو عمر بإسناد صحيح عن أحمد بن محمد : ثنا محمد بن عيسى ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو عبيد ، ثنا ابن علية ومعاذ عن ابن عون عن ابن سيرين عن الأحنف عن عمر ، رضي الله عنه به . وأخرجه الحوزي في كتابه : ثنا إسحاق بن القعنبي ، ثنا بشر بن أبي الأزهر ، ثنا خارجة بن مصعب عن ابن عون عن ابن سيرين عن الأحنف عنه به ،